الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

28

سر الوجود

وعلى فرض قبول تلك الحياة القصيرة مع هذه المشاكل ، لطالبت بالطمأنينة قبل كل شي ، نعم فالطمأنينة هي تلك النقطة المبهمة التي تنتهي إليها بالتالي كافة جهودنا ومساعينا ، أو على الأقل نبذلها من أجل ذلك الهدف ، والحق أنّ هذه الطمأنينة وهذا الهدف الأصلي للجهود والمساعي وهذه الضالة النهائية للصغير والكبير إنّما تتعذر ولا تتسنى لأحد في ظل غياب التفكير ، فالقضية وعلى العكس ممّا يتصوره البعض بأنّ عدم العلم والجهل لا يشكل أساس الطمأنينة قط ، بل هو أكثر من غيره مدعاة للقلق والاضطراب والخوف والهلع ، فالجهل ظلمة ، وهل تختزن الظلمة سوى معاني الرهبة والخشية . فالجهّال أشبه ما يكونون بمن تاه في صحراء واسعة وسط ظلمة الليل الدامسة ، وقد غطت السماء السحب السوداء القاتمة ، فكانت حوادث الدنيا الغامضة كالعواصف الموحشة والصواعق والسيول والتي تتهدّدهم وتطاردهم في تلك الصحراء المرعبة ، وقد استولى القلق والاضطراب على نفوسهم وارتعشت أبدانهم لأصوات الرعد والبرق والصواعق فلم يكن لديهم من ملاذ آمن لحفظ أرواحهم ، ولا طريق يلوح لهم فيسلكوه لينجوا من حيرتهم « 1 » . أمّا العلم فهو نور مهما كان ضئيلًا ، ومن خصائص النور الطمأنينة والهدوء والاستقرار ، على العكس من الظلمة التي تتصف بالقلق والاضطراب ، حقّاً إن كان للناس من خشية للظلمة فإنّما يعزى ذلك

--> ( 1 ) اقتبس هذا المثال من الآيات 16 - 20 من سورة البقرة .